تشهد الآبار الارتوازية التي غذّت حوض فزان لقرون طويلة انخفاضاً غير مسبوق في منسوب المياه، متأثرة بالحفر العشوائي وسوء إدارة الأحواض المائية المشتركة. لم تعد قنوات الري القديمة تنبض بالحياة كما كانت، بل تحولت مساحات شاسعة من مزارع النخيل إلى أراضٍ متصدعة بفعل العطش. يستند هذا التقرير إلى قراءات ميدانية لثمانين بئراً وشهادات موثقة من مزارعي المنطقة لتحديد حجم الاستنزاف الحقيقي.
تراجع المناسيب والآبار غير القانونية
سجلت فرق الرصد هبوطاً في مستويات المياه الجوفية بمعدل يتجاوز مترين سنوياً في بعض القطاعات الأكثر كثافة زراعية. يعود السبب المباشر إلى انتشار مضخات الأعماق غير المرخصة التي تعمل على مدار الساعة دون مراعاة لسعة الخزان النوبي أو قدرته على التجدد الطبيعي. أدى هذا السحب الجائر إلى تملح الطبقات العليا للمياه وتلف المحاصيل الحساسة مثل التمور والحبوب.
غياب التخطيط واستنزاف المخزون الاستراتيجي
بدلاً من التحول إلى شبكات الري بالتنقيط الحديثة، ما تزال المزارع تعتمد على الري بالغمر التقليدي الذي يهدر كميات هائلة من المخزون الاستراتيجي عبر التبخر الشديد. تكشف المقابلات الميدانية مع مهندسي الموارد المائية أن غياب الإشراف الفني الحكومي جعل كل حائز أرض يقرر عمق الحفر ومعدل السحب وفق مصالحه الفردية العاجلة. هذا التخبط يحول أزمة الجفاف من ظرف مناخي عابر إلى خطر استراتيجي يهدد بقاء المجتمعات الريفية.
خارطة إنقاذ للأحواض المائية المشتركة
يتطلب حماية ما تبقى من الحوض المائي فرض حظر فوري على حفر الآبار العميقة خارج المخططات الهيدرولوجية المعتمدة، مع تركيب عدادات تدفق إلزامية. لا يمكن تأجيل تشكيل هيئة رقابية مستقلة تضع حداً للاستنزاف وتوفر حلولاً بديلة للطاقة والمياه، فالأرض التي تفقد مياهها لن تنتظر طويلاً حتى تصبح غير صالحة للاستقرار.
